محمد بن محمد ابو شهبة
264
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
« جاءني جبريل ، وأنا نائم بنمط من ديباج « 1 » فيه كتاب فقال : اقرأ . . . » الخ ، فظاهر هذا أنه كان مناما . والمعوّل عليه ما في الصحيحين ، وأن ذلك كان في اليقظة لا في المنام ، وإن ثبت ما ذكره ابن إسحاق فيكون ما حدث في المنام كان قبل ذلك توطئة لما حدث في اليقظة ، ففي مغازي موسى بن عقبة ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيّب أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لخديجة : « أرأيتك الذي كنت حدثتك أني رأيت في المنام ، فإنه جبريل استعلن إلي ، أرسله إلي ربي عز وجل وأخبرها بالذي جاءه من اللّه ، وما سمع منه ، فقالت : أبشر فو اللّه لا يفعل اللّه بك إلا خيرا » « 2 » . فترة الوحي وقد فتر الوحي بعد ذلك فترة ، وقد اختلف في مقدارها فقيل : كانت أياما ، روى هذا ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس ، وروي أن أقصاها أربعون يوما ، وقيل : ستة أشهر ، وقيل : سنتان ونصف ، وقيل : ثلاث سنين ، ونسب هذا إلى ابن إسحاق ، والذي في السيرة لابن هشام عن ابن إسحاق عدم التحديد بمدة « 3 » . والذي أرجّحه وأميل إليه هو الأول ، وأن أقصاها أربعون يوما ، ويليه القول الثاني ، وأما القولان الأخيران فإني أستبعدهما ، فالفترة إنما كانت ليسترد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنفاسه مما حدث له من ضغط جبريل ، وما عراه من الهول والفزع لأول لقاء بين بشر وملك ، وليحصل للنبي الشوق إلى لقاء جبريل بعد هذه الفترة . أما أن يقضي النبي ثلاث سنين أو سنتين ونصف سنة من عمر الدعوة الإسلامية من غير وحي ودعوة فهذا ما لا تقبله العقول ، ولا يدل عليه نقل صحيح ، وفي هذه الفترة كان النبي يداوم الذهاب إلى حراء ، وإلى ما جاوره
--> ( 1 ) بقطعة من حرير فيها كتاب أي شيء مكتوب . ( 2 ) البداية والنهاية ج 3 ص 13 . ( 3 ) السيرة لابن هشام ج 1 ص 241 .